حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

334

شاهنامه ( الشاهنامه )

أدّيت إليك ما سمعت وتحققت . والآن أنت أعلم وبالرأي والتدبير أبصر . فأخذ كلامه بقلب الملك ، واهتم من أجله ، وترك الطعام والشراب ، وأرق ليلته يفكر في أمر إسفنديار . ولما أصبح استدعى جاماسب وأمره أن يركب إلى مخيم اسفنديار ، ويذكر أنه قدر عرض حاجة يحتاج فيها إلى حضوره ، وأن ينصرف في الحال معه من غير مكث ولبث . وكتب اليه مع جاماسب كتابا في هذا المعنى يستعجله فيه ويأمره بأن يحضر في الحال ولا يمكث طرفة عين . فحمل جاماسب الكتاب إلى إسفنديار . ذهاب جاماسب الحكيم إلى إسفنديار وكان في تلك الساعة في متصيد له ، ومعه أولاد ، الأربعة . وهم بهمن ، وآذَر افروز ، ونوشاذر ، ومهرنوش . فسمع صوت هاتف يقول : إن كشتاسب قد أرسل جاماسب . فلما سمع ذلك تعجب ضاحكا . فساءله بهمن عن ضحكه فقال له : اعلم يا بنى أن الساعة يأتيني رسول من عند الملك . وقد أفسدوا قلبه علىّ ، وغير ورأيه فىّ . فبينا هو مع ولده في هذا الحديث إذ طلع جاماسب فاستقبله إسفنديار . فنزل وناوله الكتاب ، وذكر أن الشيطان قد أضل أباه . وأعلمه بالحال فقال له إسفنديار : فما ترى أيها العالم ؟ فقال له فيما قال : لا بد من امتثال أمر أبيك والحضور بين يديه . فإنه هو الملك وأمره المطاع . فسلم عسكره إلى ولده بهمن ، وأقامه مقام نفسه . أمر كشتاسب بإلقاء إسفنديار في السجن وتقييده بالسلاسل فلما علم الملك بوصوله جلس على التخت معتصبا بالتاج ، وأحضر الأمراء والقوّاد ، وأمر الموابذة بالحضور . وجاءوا وجلسوا على الكراسي في مراتبهم . وجاءوا بكتابهم ووضعوه بين يدي الملك . فدخل إسفنديار وخدم وسجد ثم مثل بين يدي أبيه . فقال الملك للأمراء والعلماء والموابذة والإصبَهبذية : ما ذا تقولون في حق رجل يربى ولده فيحسن تربيته ، ولا يزال يعتنى به حتى يعلمه جمع الآداب ، ثم على أمره ، ويرفع قدره حتى يجعل اليه أمور العباد والبلاد ، ويفوّض اليه جميع الممالك ، ويرضى هو من سلطانه بتاج ، ويقعد هو في صورة حافظ رحل . ثم لا يقنع الولد ذلك حتى يهم بقتله ويسعى في التدبير عليه . فلما قولكم في حق هذا الولد ؟ وما الذي يستحق أن يحازيه فيه الأب ؟ فقالوا أيها الملك ! أي شيء أشنع وأفظع من طلب الابن مكان الأب وهو بعد في مهلة الحياة ؟ فقال : هذا هو ذلك الولد . ولكني سأعاقبه عقوبة يعتبر بها أهل المملكة ، وأقيده بقيد لم يقيده به أحد . فقال إسفنديار : أيها الملك ! ما عندي من هذا خبر ، ولا همت به . ولو فعلت ذلك لم أكن من أصل طاهر . ثم أنت السلطان ، وأمرك المطاع ، وحكمك النافذ . وأنا بين يديك فافعل ما تشاء . فأمر الملك باحضار الحدّادين والقيود والأغلال والسلاسل . فقيد